السيد هاشم البحراني
424
البرهان في تفسير القرآن
ولم يعلم أبو سفيان بإسلام نعيم ، ولا أحد من اليهود . ثم جاء من فوره ذلك إلى بني قريظة ، فقال : يا كعب ، تعلم مودتي لكم ، وقد بلغني أن أبا سفيان قال : نخرج بهؤلاء اليهود ، فنضعهم في نحر محمد ، فإن ظفروا كان الذكر لنا دونهم ، وإن كانت علينا كانوا هؤلاء مقاديم الحرب ، فلا أرى لكم أن تدعوهم يدخلوا عسكركم حتى تأخذوا منهم عشرة من أشرافهم يكونون في حصنكم ، إنهم إن لم يظفروا بمحمد لم يبرحوا حتى يردوا عليكم عهدكم وعقدكم بين محمد وبينكم ، لأنه إن ولت قريش ولم يظفروا بمحمد ، غزاكم محمد ، فيقتلكم . فقالوا : أحسنت ، نصحت وأبلغت في النصيحة ، لا نخرج من حصننا حتى نأخذ منهم رهنا يكونون في حصننا . وأقبلت قريش ، فلما نظروا إلى الخندق ، قالوا : هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها قبل ذلك . فقيل لهم : هذا من تدبير الفارسي الذي معه . فوافى عمرو بن عبد ود ، وهبيرة بن وهب ، وضرار بن الخطاب إلى الخندق ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد صف أصحابه بين يديه ، فصاحوا بخيلهم حتى طفروا الخندق إلى جانب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وصار أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كلهم خلف رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وقدموا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بين أيديهم ، وقال رجل من المهاجرين - وهو فلان - لرجل بجنبه من إخوانه : أما ترى هذا الشيطان - عمرو - لا والله ما يفلت من بين يديه أحد ، فهلموا ندفع إليه محمدا ليقتله ، ونلحق نحن بقومنا . فأنزل الله على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في ذلك الوقت قوله : * ( قَدْ يَعْلَمُ اللَّه الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ والْقائِلِينَ لإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا ولا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ) * إلى قوله * ( وكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيراً ) * « 1 » . فركز عمرو بن عبد ود رمحه في الأرض ، وأقبل يجول حوله ، ويرتجز ، ويقول : ولقد بححت من الندا ء بجمعكم : هل من مبارز ؟ ووقفت إذ جبن الشجا ع مواقف القرن المناجز إني كذلك لم أزل متسرعا نحو الهزاهز إن الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرائز فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « من لهذا الكلب ؟ » فلم يجبه أحد ، فقام إليه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فقال : « أنا له ، يا رسول الله » فقال : « يا علي ، هذا عمرو بن عبد ود فارس يليل « 2 » » فقال : « أنا علي بن أبي طالب » فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « ادن مني » فدنا منه ، فعممه بيده ، ودفع إليه سيفه ذا الفقار ، وقال له : « اذهب ، وقاتل بهذا » . وقال : « اللهم احفظه من بين يديه ، ومن خلفه ، وعن يمينه ، وعن شماله ، ومن فوقه ، ومن تحته » . فمر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وهو يهرول في مشيه ، وهو يقول : « لا تعجلن فقد أتا ك مجيب صوتك غير عاجز
--> ( 1 ) الأحزاب 33 : 18 و 19 . ( 2 ) يليل : موضع ، وهو وادي ينبع ، أو وادي الصفراء دوين بدر . وفارس يليل : لقب عمرو بن عبد ودّ ، انظر : « لسان العرب - يليل - 11 : 740 » .